ارتماء في حضن الطبيعة:

0 التعليقات



ذات مرة اعترتني نوبة اختناق، وعزف لي الزمان سيمفونة الأحزان، وعزفت صخب المدينة وصراخها: هدير محركات السيارات، وصياح الأطفال أثنا غدوتهم أو روحتهم إلى المدارس، وولولة النساء وغنجهيتهن، وتشدق الرجال وتبجحهم في شأن السياسة الشائكة المعقدة، وضجيج  العمال، كل هذا شكّل فيّ رغبة ملحة لتغيير هذا الروتين، والتنقيب عن جو مغاير، حزمت أمتعتي، وغادرت المدينة أرنو إليها بطرف غاضب، كانوا يتهامسون فيما بينهم بأنّي مصاب بمرض الهوس والهلوسة وبحاجة إلى علاج، وأن أوْدَعَ في مستشفى المجانين، ينوِّهون بهمهماتهم بأنّي في هذه الأيام كانت أعصابي هائجة وثائرة ومتشنجة، وكان آخرون يتنبئون بأني سوف أختفي في غياهب الغابة، وسأكون فريسة لذيذة للسباع المفترسة، يبدو أن لديهم مخاوف من هذه الغابة، مخاوف من بنات أفكارهم ونتاج أوهامهم، كنت أسير ببطء وتأن، أستشعر بأني في جولة سياحية، كنت أرمق ببصري على كل وجهة بغية أن تقع عيني على ما يهفوا إليه ضميري، ويصبو إليه قلبي، ذلك الغامض الذي لا اعرفه أنا، فضلا عن غيري، أنا متأكد فقط بأني أبحث عن شئ ينقصني، وأن قصتي وروايتي الجميلة التي سطرتها بيراعي ومكثت على تنقيحها برهة من الزمن، ينقصها شيئ، وأن هناك حلقة مفقودة لا بد من العثور عليها، كنت أحس بالمتعة والنشوة كلما ابتعدت عن مضارب المدينة ومساكنها، وتوغلت في قعر الغابة وأشجارها، كانت السماء غائمة، وقد أمتدت في وسطها قوس قزح طويل، كانت نسمات منعشة متضوعة بأريج المسك تتسرب إلىّ، أستنشقها بكل قوة، أبالغ في الإستنشاق كأن هذه اللحظة لن تعود ثانية، وأن هذه النسمة لن تهب مرة أخرى، نصبت لنفسي خيمة تحت شجرة كبيرة واسعة الغصون ينحني أغصانها نحو الأرض، كأنها عذراء مطاطئة، تخجل من نظرات عشيقها صوب محياها، وطهوت لنفسي طعاما، وبالمناسبة فأنا أعرف الطهو ولي مهارة في ذلك، فبعد الفراغ من الطعام خرجت من خيمتي أقبل على سحر الطبيعة، أصعد التلال والروابي، وأنحدر إلى السهول، أستمتع بذلك، هنا يرقد الجمال الذي ينشده الجميع، هنا تثوي السعادة التي نضحي من أجلها الغالي والثمين، هنا تتربع عليها الحيوية، هنا نشاهد بكل حرية بصمة الجمال في صنع الله، مناظر الطبيعة الخلابة تجعلني أرتمي في حضنها كطفل تائه لم يجد من يرحمه بقي على هذا الحال يائسا من أمه التي فقدها في خضم الزحمة في العواصم الكبيرة وصدفة وجد أمه واقفة بين يديه، كذلك كنت تماما، أخرجت عدسة الكاميرا الرفيقة التي لم تكن تفارقني لا في حل ولا في ترحال، أقبلت ألتقط هذه المناظر بشغف، وهي تتراقص بين يديّ كغانية حسناء تجيد كل فنون الإغراء وإغواء الرجال، أجول في واحاتها، أنظر إلى الأشجار التي تتراقص أغصانها بطريقة مثيرة متناغمة مع هبوب الرياح التي تحكي خريرها سيمفونة أسطورية موسيقية تعزف بأعذب الألحان، وهذا التناسق الموسيقي يزدري على كبار الفنانين والملحنين، إضافة إلى زقزقات الطيور وتغريدات البلابل والعصافير، كل هذا كان يضفي على الجو الرائع روعة ويزيد رونقه، ويسربل على نفسي التي طالما عانت من المشاق وتشنج الأعصاب هدوءً روحانيا عجيبا، وفريدا في نوعه، كأنه نزل من السماء، كان يمتص مني كل الهيجان والغضب، ويفرغ فيّ سكونا وطمآنينة بحجم الصحراء تتسع لعشرات النسم، تمنيت لو أني أقضي هناك باقي حياتي، وفجأة انقدح في ذهني فكرة أن أكتب هذا الجمال فتسابقت الحروف إلى السطور، وانقاد القلم منصاعا وأصبح طوع بناني أوجهه حيث أشاء، كأنه هو الآخر يتمتع بهذا الحو الرائع، ولم يعد يستعصي عليَ كما كان يفعل من قبل، وانثالت عليَ المعالي انثيالا بانسيابية وشاعرية، أنتقي منها ما يلامس فؤادي، وظللت منكبا على الكتابة حتى المساء حين استأذنت القلم بأخذ جولة سياحية في ظل الطبيعة الساحرة، أمشي بين النباتات والأعشاب المتراصفة بهندسة فريدة، كأنها من صنع فنان محترف، تنبض بالجمال، كنت آخذ الأزهار من أغصانها وأشم من أريجها، وأملأ رئتي من عبقها، لا أرى فيها زهرة ذابلة، كان الفصل ربيعا، وما أدراك ما الربيع، إنه حين تبكي السماء بغيثها المنهمر وتضحك الأرض بنباتها وأعشابها المنتشرة، هنا يصفو المزاج، هنا يحلو المقام، هنا تطرد الطبيعة بسحرها كل أشكال الهموم، هنا يتحرر السائح من كبل الأحزان، هنا يتغير ضجيج المدينة إلى نغمات موسيقية ومعزوفة أسطورية صٌنِعَتْ لامتصاص الآلام والأوجاع من جسد بني البشر، لكن القليل من يتفطن لذلك ويؤم إليها!. أأرض

أنات مواطن كئيب:2

0 التعليقات


بعد الحادث الجلل، وقعت في أحابيل خيبة الأمل، وصرت كطائر مقصوص الجناحين، أو كطريدة افترسها صياد محنك، فقد خضت في بحار لا ساحل لها من الأحزان تتقاذفني  فيها الأمواج المتلاطمة العاتية، وانهارت معنوياتي، فجدران المدينة وشوارعها وروابيها وكل ما يمت بصلة إليها تحمل بصمات لذكرياتي مع عائلتي المفقودة، ما يحز في ضميري ويفتق في جرحي، فحزمت أمتعتي وغادرت المدينة التي قضيت فيها طفولتي، واستضافت أحلى ذكريات حياتي، لكنها أصبحت جراء الحروب مدينة الأشباح والأطلال، ووكر المنايا، وبؤرة الرعب والفزع، حمام الدم يٌحَلِقٌ علي سماءها الزرقاء، فركبت السيارة في اتجاه كينيا البلد المجاور، لكن في طريقنا صادفتنا معضلة أخرى لم نضعها في الحسبان، اعترض في طريقنا مسلحون من مليشيات بعض القبائل الصومالية فاختطفوا ركاب السيارة بأسرهم، وتوارينا عن أنظار الناس تحت حراسة مشددة من قبل المليشيات يصاحبها تعذيب وإذلال مقصود، ولم يفصحوا لنا عن مغزى اختطافهم لنا، إلا بعد يوم فطلبوا الإتصال بعائلاتنا لدفع مبالغ هائلة مقابل إطلاق سراحنا، إنها مسألة تجارة البشر التي سمعت عنها كثيرا والآن أبقى رهينا في أروقة أبطالها، فسارع من معي بالإتصال بذويهم لإبلاغ الخبر، كما أبلغت بعض أقاربي بالحدث، لكن المبلغ كان باهظا لا يطاق، وبقينا في أسرهم مدة حتى امتعضوا من الإبطاء فزادوا من تعذيبنا وإذلالنا لإجبار أهالينا بدفع المبلغ المطلوب على الفور، وما أدراهم أنهم من أهل العوز! وفي خلال طقس تعذيبي كانوا يمارسونه علينا ألقيت بالشتيمة على أحدهم فغضب من ذلك فأطلق الرصاص عليّ، فقرروا وضعي في مستوصف صغير في إحدى القرى وأنا أكابد الجرح والدم ينزف، وللأسف عجز المستوصف من تقديم خدمة طبية لهذا الجريح، وأودوعوني في سيارة كانت تتجه نحو مخيم اللاجئين، في كينيا، فوصلنا إلى مخيم طكحلي وأنا في حالة غيبوبة، وظن البعض أني في حالة النزع، ولحسن الحظ تلقيت هناك إسعافات وخدمات طبية أنقذتني من مخالب الموت، فلما تعافيت قليلا علمت أن الشرطة تتحرى بي للتحقيق الأمني وأنها وضعت عليّ إقامة جبرية، وأنها تشتبه فيّ باعتباري عضوا من الحركات الجهادية، فجن جنوني وازداد ألمي فأتى المخبر يلقي عليّ عشرات الأسئلة حيال حياتي ونفسي وطبيعة عملي إبان ثوائي في الوطن، والدافع للهجرة والإرتحال ...إلى غير ذلك من الأسئلة التي دوخت رأسي، وتركتني ملقى في أحضان الحيرة، وارتسمت على محيايّ علامات الدهشة، وبعد التعافي أخذوني إلى معتقل في مدينة قاريسا على ذمة قضية إرهابية لا أعرف عن كنهها شيئا، وتمت المحاكمة صورية بدون محام ولا حضور، وبقيت في السجن أعاني من ويلاته سبع سنين، أتذكر أن أول يوم دخلت في السجن تعرضت للضرب المبرح بأيدي هياكل ضخمة من المسجونين، وهذا ما يفعلون عادة مع الجدد ليرضخوا تحت إرادتهم، وينصاعوا للأوامر، ولا أستطيع أن أتحدث عن قصة السجن وكيف كان الذل والإذلال متجسدا في شخوصها، إنها حزء من حياتي انقضت الآن لكنها تركت فيّ أثر سلبيا، فأنا الآن أعيش في حالة نفسية مريرة، فمنذ فقدان عائلتي بسبب القصف العشوائي، بدأ الظلم يلاحقني في كل مكاني، فأورث فيّ شقاوة ومرارة، والآن أحن إلى بلدي حنين النيب إلى فصالها، ولكن مخاوف متراكمة تعوق دون الذهاب إليه، وبدأت هذا الشغل لإشغال النفس عن الحزن وللحصول على ما يسد الرمق، والمؤسف أيضا أني لا أمتلك الأوراق الثبوتية تدل على انتمائي لهذا البلد ما يعرضني للإعتقال بيد الشرطة، في الإسبوع مرة على الأقل، ولا ينقذني منه إلا دفع الرشوة ما يشل عملي، فكل دخلي لملأ البطن وستر الجسد وإنقاذ النفس من مخالب الشرطة بدفع الرشوة، وينصحني البعض بالذهاب إلى جنوب أفريقيا للإشتغال مع ابن خالي الذي وصل إلى هناك في أخريات أيام سجني، لكن ما باليد حيلة، وليست بحوزتي المواصلات ولا الجواز، كما أن هناك مخاوف شديدة من موطني ذلك البلد الذين أضمروا في طويتهم كل الحقد والكراهية، وصبوا جام غضبهم وجرعو كؤوس العلقم للصوماليين، الذين لهم اليد الطولى على استقلالهم، والتضامن معهم، لكن الحقد طمس بصيرتهم، وأنساهم قصص الأمس، فأنا الآن متردد بين البقاء هنا رهن الإعتقال في الإسبوع مرة أو أكثر، أو المخاطرة بالعودة إلى الوطن المأزوم، أو المغامرة في الذهاب إلى بلد الكراهية والتمييز العنصري، ولا أعرف ما تخبؤه لي الأيام، هل سيستمر فصول الظلم أم سينقشع السواد ويزول الغبش، وينجلي الليل، ويحل الفجر في ساحتي باسما، بنسائمه العليلة، التي تبعث الحيوية والأمل في قلبي الجريح، فالقصة لم تكتمل بعد، وهذه القصة تعكس على سيناريو بات مألوفا لدى قاطني هذا البلد-الصومال- بعد نشوب الحرب وتشردهم في أنحاء العالم شذر مذر، ولست الوحيد الذي حدثت له مثل هذه الفاجعة بل هناك الكثير ممن قصصهم المبكية تكون لدى القارئ أقرب إلى الخيال من الواقع، لكن ما يعزينا قليلا أن صحوة ويقظة جزيئة باتت تهدد معاقل الغفوة، وأن هناك تحسن ملموس يشوبه كدر، ولكن ما أخشاه هو أن يكون هذا الكدر بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.
فلما انتهيت من قراءة قصة النادل غمرتني نوبة حزن، وقمت بتشخيص الحالة المرضية للوطن العزيز، وتصورت في كم القصص الهائلة التي تفوق هذه غرابة وحزنا صادفت الكثير من أبنائنا، وكيف تنكرت في وجوههم الحياة، وحٌرِمٌوا من مباهجها، ومنيت محاولاتهم بإخفاقات، وحالفت دروب حياتهم بمنغصات جمة، وصارت آمالهم حبيسة في قفص الزمان، الذي أحكم القبضة عليهم، ورماهم بسهم شرس، فمن يتمعن معاناة مواطني هذا الوطن الذين صاروا بين مهاجرين امتطوا صهوة الجرأة في رحلة الموت فوق البحار والصحاري والمفاوز، في رحلة يحدق عليها المخاطر من كل حوب وصوب، و مختطفين بأيدي تجار البشر، ومن صار في ذل اللجوء ومرارة الغربة، ومن صمد وبقي في الوطن وتأقلم مع الظروف الصعبة يراوده طيف الموت بين الفينة والأخرى، من تمعن وسرح تفكيره في ما ذكرناه وزيادة يستطيع أن يٌخَمِنَ حجم المأساة، ورجاؤنا في الله عظيم فقمت من مكاني أقلب كفتيّ، أطلق آهات وأنّات على وطني العزيز، وعلى مواطنيه، فلوّح النادل لي يده يودعني بابتسامة مقهورة فقلت له بصوت خافت إلى اللقاء يا عزيزي ...إلى اللقاء في الوطن العزيز مرفوع الرأس عزيز الجانب.... لنتفاءل بالخير يا عزيزي فالأمور تتحسن، فصمت في وجوم، وأدار لي ظهره منصرفا إلى عمله، وعدت أدراجي إلى المنزل وكلّي رغبة للبكاء على الصومال.

طفولة مغتصبة(جريمة التجنيد)!:

0 التعليقات



الطفولة مرحلة من مراحل الحياة للكائن البشري، وهي لذة الحياة وزهرتها الربيعية، ولؤلؤتها الثمينة وأيقونة تشهد على بقاء النسل البشري ونمائه على ظهر الأرض، والمحروم من الأطفال يبحث عنهم بشق الأنفس وبكل شغف، وربما تَقَطَعَ قلبه أسفا على ذلك، وتمتاز الطفولة بالبراءة والعفوية والسذاجة والصراحة، ما يجعل لها نكهة خاصة، ترشحها للتربع في عروش القلوب، حتى تأخذ بمجامعه، وتأسر ألباء الكبار وتجبرهم بالشفقة عليها، فكل ذي فطرة سليمة يطأطأ رأسه احتراما ومراعاة لحقوق الطفولة، لكنها تعاني من الخواء من معلومات مسبقة، وخبرات محفوظة، مع السذاجة وعدم نضوج العقل، ما يخلق لديها قابلية واستعداد لتلقي أي معلومة بغض النظر عن الصحة والخطأ، فالطفل لا يمتلك ميزة التمحيص والتمييز بين الصواب والخطأ، ومن خصائص الطفولة شدة التقليد والمحاكاة، فالطفولة صفحة بيضاء ناصعة يتحكم الكاتب بكتابة الكلمات فيها، فهي تستقبل بكل حفاوة لكل جديد مسطور، وهذا الأمر يؤكد المسؤلية الواقعة على عواتق أولياء الأمور في مراعاة الطفولة ورعايتها وإيلاء الإهتمام بها وإيداع الأطفال في حواضن تربوية موثوقة حتى لا يتعرضوا لاستغلالهم في قضايا خاطئة وشحنهم بالكراهية إزاء المجتمع  والحقن الإيدلوجي، حتى لا يكونوا معاول هدم يشكلون تهديدا صارخا للسلام، كما يجب بذل قصارى الجهود في حفاظ الطفولة من الإنتهاكات من أي طرف كائنا من يكون؛ لأنهم ضعفاء وغير قادرين على حماية أنفسهم "ولأن الأحداث التي تقع في الطفولة ستؤثر على الفرد عندما يكبر ومن ثم على المجتمع برمته" "فالأطفال يختلفون عن الكبار في تأثرهم بنفس الإنتهاكات"([1]) فمن المشين المساس بالطفولة بما يؤثر عليها سلبا، وإلقاء هذه الفراشات دوات الأريج الأخاذ في نيران الحروب المتوهجة جريمة وقضية إنسانية، ومن الأمور المجربة أن الفرد الذي عاش طفولة بائسة وتعرض لانتهاكات واعتداءات في طفولته يبقى تأثير ذلك الحدث سلبا عليه حتى بعد الكبر وربما لا يفارقه إلا إذا فارق الروح البدن، وتجعل صاحبها مرشحا وعرضة لأن يكون تهديدا صارخا للمجتمع بعد الكبر.
وأقرب نموذج ومثال نضربه لذلك هو دومينيك أونغوين الذي تم خطفه من قبل جماعة جيش الرب التي تقاتل في اوغندا وهو في سن العاشرة، وقد تلقى فيهم التدريب العسكري وشارك معهم في العمليات، وارتقى في صفوف الجماعة، حتى أصبح محل ثقة القائد للجماعة جوزيف كوني، وربيبه، فأصبح رجلا دمويا وحشيا تقليدا لقائده، وتلطخت أياديه بمختلف الجرائم من قتل واغتصاب وإبادة وتهجير، واستعباد جنسي، حتى سلم نفسه أخيرا إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي في عام 2015م.

وفي حالات النزاع المسلح، وفي الأماكن التي تندلع فيها الحروب، يفقد الأطفال حقوق توفير بئية تعليمية والحصول على رعاية صحية، كما يتعرضون للتشرد والتشظي والنزوح، وأسوأ من ذلك أنهم يصبحون ضحية لاعتداءات جنسية، وتوظيف إجباري، والتجنيد القسري وزجهم في المعارك، من قبل جماعات مسلحة، وهذا ما يعتبر جريمة كما نص عليه قانون الأمم المتحدة.
 فالتجنيد القسري آخذ في التزايد في أرجاء المعمورة، فحسب احصائيات منظمة حقوق الأطفال يونسيف هناك أكثر من ربع مليون طفل مجند على مستوى العالم، وفي موقع الأمم المتحدة ذكرت أنه يوجد مئات الآلاف من الأطفال المستخدمين بوصفهم جنودا في النزاعات المسلحة حول العالم، وكثير من الأطفال مختطفون وقد تعرضوا للضرب لإخضاعهم فيما ينضم آخرون إلى الجماعات المسلحة فرار من الفقر من أجل حماية مجتمعاتهم، أو انطلاقا من شعور برغبة الإنتقام، وذكرت أن تجنيد الأطفال أمر محظور بموجب القانون الدولي الإنساني، وطبقا للمعاهدات والأعراف([2]).
وذكرت المنظمة أنه في جميع أنحاء العالم يتم تجنيد آلاف الفتيان والفتيات في القوات المسلحة الحكومية والجماعات المتمردة للعمل كمقاتلين وطهاة وحمالين وسعاة أو أعمال أخرى كما يتم تجنيد الفتيات لأغراض جنسية أو للزواج القسري([3]).
وفي الصومال في غضون الصراعات المسلحة، التي اكتوى بنيرانها البلد، والتي أقحمت الوطن في أتون حروب طاحنة اندلعت بعد الإطاحة بالحكومة المركزية الإستبدادية، كان التجنيد سمة من سمات ملامح هذه الفترة، حيث أن كل طرف من فصائل الصراع كان قد أكب على تجنيد الأطفال، وتدريبهم عسكريا، فقد ورد في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أن نحو 200 ألف طفل صومالي(حوالي5%من أطفال الصومال) قد حملوا السلاح وشاركوا في الحروب([4]).
وفي فترة زعماء الحروب الأهلية في الصومال الذين ذاقوا الشعب الصومالي ويلات الحروب، وجرعوهم كؤس المحن، وكانت الحروب العبثية والمعارك القبيلية التي حصدت أرواح المئات من الشعب سيدة المشهد، كان التجنيد للأطفال بارز للعيان، وكانت الصورة القاتمة التي تُرْسم في أذهان الأطفال أن المشارك في هذه الحروب الذي يبلي فيها بلاء حسنا ويظهر شجاعته المذهلة، يحظى بالبطولة والإعتزاز والفخر، ويحتل مكانة مرموقة لدى الفتيات اللأتي يرغبن بالزواج، ولدى الجميع بشكل عام، كان الإسم اللامع في هذه الفترة هو اسم ذلك المقاتل شاكي السلاح الذي أظهر إتقانه فن الحرب وجرأته في المعركة مع القبيلة الفلانية، ومما أذكره أن مجموعة من الأطفال تسمى كل منهم باسم زعيم حرب، مما ينم عن إعجاب ارتسم بشكل عفوي في ضمير هؤلاء الأطفال بسبب إفرازات البيئة غير النقية.
وتعتبر الحركات والتيارات الجهادية من أكثر الضالعين في تجنيد الأطفال واستغلالهم، كموارد بشرية بعد إخضاعهم لعمليات شحن أذمغتهم بأيدلوجيات تحمل ملامح التشدد، والغرس فيهم بنزعات دموية، وميولات لتصفية المخالف، وإبادته وتطهيره وسحقه من على وجه الأرض، فيتدرب الأطفال على عمليات حز الرءؤس للأسرى، كجزء من التدريب العسكري حتى يترعرع الطفل وهو في منتهى الوحشية.
وتشار إلى حركة الشباب في الصومال أصابع الأتهام بأنها تجند الأطفال وتستخدمهم في عمليات عسكرية وانتحارية تستهدف مؤسسات الحكومة، ومجمعات سكنية، والأندية والمنتجعات والفنادق، وقد تجلى هذا الأمر بوضوح في الحرب الأخيرة التي شنتها الحركة على مناطق ولاية بونت لاند حيث أن أغلب العناصر الذين تم القبض عليهم بعد الهزيمة النكراء التي لحقت في صفوفهم كانوا أطفالا في سن المراهقة، ما أماط اللثام عن حجم تجنيد الأطفال في صفوف الحركة.
وتحمل هذه الحرب دلالات مخيفة، حيث أن الحركة التي عرفت بقوة استراتيجيتها ودقة مخططاتها تبعث هذه العناصر التي يشكل الأطفال أغلبيتها الساحقة إلى منطقة نائية نوعاما من مناطق نفوذها، مع عدم وجود حاضتة وبيئة ملائمة خصبة بإزاء قوة لا يستهان بها كل هذا أثار تساؤلات وتشكيكات حول غرض الحركة في هذه الحرب، ويرى بعض المحللين أن الحركة تتلقى ضربات جوية من قبل الطائرات دون طيار التابعة للولايات المتحدة التي تضيق الخناق على الحركة وتسنهدف عناصرها ورموزها، ويُتتوقع ازدياد وتيرة الهجمات الجوية في قابل الأيام، ما جعلها تبحث عن ملجأ ومخبأ ومكان استراتيجي ملائم، وبما أن التجربة الأفغانية لتنظيم القاعدة ورموزها مع أمريكا أثبتت أن المناطق الجبلية هي أفضل الأماكن للتستر من الغارات الجوية، إضافة إلى أحداث غلغلتو مع اعتقاد وانطباع بأن ولاية بونت لاند هشة عسكريا كل هذا متراكما أدى إلى إرسال هذه العناصر ليمثلوا حقل تجربة، ولمعرفة ما إذا كان المكان الذي وقع عليه الإختيار ملائم.
والأجدر بحكومتي ولاية بونت لاند وولاية غلمذغ -اللتان استطاعتا بفضل قواتهما العسكرية- الحد من نشاطات الحركة والقبض على هؤلاء الأطفال ألا يودعوهم في سجون وألا يخضعوهم لعمليات التعذيب، ولا مساءلة قضائية، لأنهم قاصرون وأطفال، فيجب مراعاة هذه الطفولة وإعادة تربيتها وتكوينها عبر برامج علمية تربوية صحيحة ودعم مشاريع خيرية لتنظيم دورات يشترك فيها كبار العلماء لمناصحتهم وتغذية عقولهم بالعلوم الصحيحة وتصفية أذمغتهم مما تم برمجته فيها مسبقا، وبقائهم قيد الإحتجاز أو المراقبة بالتعبير الصحيح، حتى يتم إفراغ ما في جعبتهم من الأفكار الهدامة، والميولات الدموية، ويجب بذل الجهود بإعادة دمجهم في المجتمع، فالولايتان الآن في مفترق الطريق للبرهنة على مدى جديتهم في الحفاظ على حقوق الإنسان وخاصة الأطفال، وتنقية ملفهم الحقوقي.


[1] -دليل الأمم المتحدة الفصل الثاني عشر-حقوق الأطفال.
[2] -https:\\children andarmedconflict.un.org
[3] -www.unicef.org\
[4] -موقع الإتحاد

رحلة إلى عالم الخيال:

1 التعليقات


أدمنت في هذه الليالي على السهرات الليلية والسمرات مع الأصدقاء، في المقهي الواقع بالقرب من محل إقامتي، أصبح لا يصفو لي الأمر ولا يحلو لي المقام، حتى أقضي هناك قسطا من الليل، أتجاذب أطراف الحديث معهم، ننتقل من سهل إلى جبل، من درب معبد إلى وعر، ونحن ما زلنا على الكراسي وأمام الطاولات، نحنتسي الشأي ونرتشف القهوة بنكهة الصداقة، وبروح المرح، نلقي النكات الطريفة نتبعها بالضحكات المجلجلة التي تثير في نفوسنا نشوة غريبة تجعل أجسامنا تتمايل بشكل هستيري، فآتي إلى البيت وأنا أجر قدميّ من الإرهاق، وأكافح جفنتيَ لمنع الإغماض، فأطرح نفسي على الفراش كجثة هامدة، فلا يلمس جثماني نعومة الفراش إلا والنوم يسربل عليّ بأذياله يأخذني إلى عالمه كعشيق يتلقى هدية من محبوبته، لكن هذه الليلة يبدو أن الأمر مختلف، فما دلفت إلى داخل المنزل حتى طار عني الرقاد، وأبت مقلتاي المنام، وحاولت أن أفتل في الذروة والغارب لإجبار نفسي بكل الطرق على الهجوع، لكن عبثا حاولت، وذهبت جهودي أدراج الرياح، وبدأ ذهني يسرح بعيدا في ذكريات الماضي، وكأني أرنو بطرفي إلى مشاهدها الحافلة بالأوجاع والمسرات، بالأفراح والأتراح، أتفرج على هذا الشريط الذي يتقلب بسرعة تكاد تصل سرعة الضوء فأحاول الجري وراءه، كمن أفلته القطار فيحاول الإدراك به، ولكثرة المشاهد المؤلمة في الذكريات ووقوفي للتفرج على الدهر يتقمص دور السبع يهجم على الفريسة التي هي أنا، شعرت بالإختناق والغيظ الشديد، فحاولت أن أسري نفسي من هذا الشعور فبدأت أغرد كالبلابل بأحدى العنتريات، أستشرس على الزمن، وفجأة خطر في بالي فكرة الخروج إلى الخارج لاستنشاق الهواء الطلق، فخرجت ورأسي يدوي بزخمة أفكار مبعثرة كدوي النحل، وفيّ غصة شديدة تمنعني من النطق ببنت شفة، حنقا على الزمن الذي استهدفني بسهامه القاتلة، ولم أكن أعرف وجهتي، ولم أفكر في تحديد الوجهة، كانت قدماي تحملني من زقاق إلى زقاق، ولحسن حظي كانت ليلة مقمرة، وفجأة وجدتني أمام شبح مخيف، في يده سكين تلمع ضياء، فلذت بالفرار، فقطعت أميالا لم أنظر إلى الوراء، والآن لا أرى الشبح، وتملكني الأوام والعطش وبلغ بي الجهد والتعب أقصاه، وكان العرق الذي تصبب مني، قد بلّ قميصي، فتوقفت قليلا، لا أعرف أين أنا، فتنهدت وأطلقت زفرة حارة وطويلة، واستجمعت قوايَ وحاولت المشي أجول بنظري في جميع الجهات، وهاجس الخوف ينبض في قلبي، وفي هذه اللحظة، سمعت تلاطم أمواج البحر،وعرفت أني على شاطئ البحر لا يفصلني عنه إلا تل غير مرتفع جدا، فذهبت إليه من فوري مندفعا، وقد زال عني الوجس، وشعرت بالأنس، متيقنا بالنجاة، وبدأت أستنشق الهواء النقي، وأستمتع بالجو الرائع، أصغي بسمعي إلى خرير الأرياح وتلاطم الأمواج كأنهما يتصافحان، ويتراقصان، ويعزفان بنغمة مثيرة، فأخذني الطرب، وبدأت أقفز من كثرة النشوة، فتذكرت كلام الرافعي إمام البيان حيث قال:إننا لن ندرك روعة الجمال في الطبيعة إلا إذا كانت النفوسة قريبة من طفولتها، ومرح الطفولة، ولعبها وهذيانها" فلم يرعني وأنا في قمة المرح والنشاط، إلا لمعان يشع من قبل البحر، خيل إليّ أنه زورق بعض صيادي السمك، أو بعض قراصنة البحر، يستنيرون بإضاءة، لكن الإشراق تعدى البحر إلى الشاطئ وبدأ يقترب إلىّ فهممت بالفرار، فلم أخط بخطوة واحدة حتى وجدت الضوء بين يدي فتجسد إلى فتاة غانية في عنفوان عمرها وريع زهرها، تحكي القمر بل هي القمر يمشي على الغبراء، كأنّ القمر ملّ من دورانه في أفانين الخضراء، وعاف منازلها، وعزف عن الروتين القاتل المنظم، فأراد أن يتمرد فنزل إلى الأرض، في هئية فتاة فاتنة، تقتل بلحاظها عيون الوامقين، وتجرع السم في قلوب الوالهين، فتبسمت الفتاة بسمة أسفرت عن ثغر وضاء، يفوح منه أريج المسك، وتكلمت فذهلت من فصاحتها، وطمأنتي وجلسنا سويا على رمال الشاطئ تغازلني وأنا أسيل لعابي من جمالها المبهر، وأنشد الشعر فتعارض، فعلمت أنها ذات قريحة وثابة، وموهبة عالية في عالم القوافي، قلت لها: ياربة القوافي وأميرة الجمال، ومعجزة البيان، صرت مستهاما فيك، متيما في عشقك، واقعا في قبضة غرامك المحكم، فتصرفْ فيّ بمقتضى إرادتك وموجبك رغبتك، فاستهلّت في الكلام، فأثتت عليّ وأطرت، ونوهت بحبها لي وإعجابها بشأني، وأطنبت في وصف عسقها، فقلت إذا كان كلانا في قفص العشق، وزنزانة الغرام فما ذا يمنعنا من الزواج على بركة الله فقالت –وثغرها باسم-: وافق شن طبقة فانهض بنا إلى تلك الخيام حيث تقطن فيها عائلتي، نتزوج بإذنهم، فنهضنا مسرعين حتى وصلنا إلى الخيام فاستقبلوني بضيافة منقطعة النظير، وقدموا لي مائدة فاخرة، وبدأت الفتاة تتحدث معهم، فأصغوا أسماعهم إليها، كأنها تزف إليهم بشرى، وهم على بعد أمتار مني أسمع همهمات وغمغمات لا أفهم فحواها، وفجأة ابتدأ النساء بالزغاريد ونثر الأهازيج، واجتمعت شيوخ العائلة وفي طليعتهم والدتها فتم عقد النكاح، في ظل أفراح، وأجواء رائعة وتوّجوني بالأكاليل، وأدخلوني والفتاة إلى بيت في غاية الجمال، تم تأثيثه بشكل رائع، هناك وعلى تلك السرير الجميلة، تعانقنا أنا والفتاة وسقتني من رضابها ما أروى غليلي، حتى بزغ الفجر فغفوت غفوة ثم استيقظت وأنا مضطجع على مزبلة ممزق الأثواب، فحوقلت واسترجعت وتسللت إلى بيتي ألعن الدنيا مطلق العنان في التفكير فيما حدث في البارحة فلم أجد أي تفسيىر للحادث.                                                                                                                                                                                            

كافة الحقوق محفوظة 2012 © site.com مدونة إسم المدونة